مركز الثقافة والمعارف القرآنية

579

علوم القرآن عند المفسرين

والظاهر وغيرها تارة ، إما بتخصيص أو تقييد مطلق ، وحمله على المقيد وتفسيره وتبيينه . حتى إنهم يسمّون الاستثناء والشرط والصفة نسخا ، لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد . فالنسخ ، عندهم وفي لسانهم ، هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ ، بل بأمر خارج عنه ، ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يحصى ، وزال عنه به إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر » انتهى . وقال ولي اللّه الدهلوىّ في الفوز الكبير : « من المواضع الصعبة في فن التفسير التي ساحتها واسعة جدّا ، والاختلاف فيها كثير ، معرفة الناسخ والمنسوخ . وأقوى الوجوه الصعبة اختلاف اصطلاح المتقدمين والمتأخرين ، وما علم في هذا الباب ، من استقراء كلام الصحابة والتابعين ، أنهم كانوا يستعملون النسخ بإزاء المعنى اللغوي الذي هو إزالة شيء بشيء ، لا بإزاء مصطلح الأصوليين . فمعنى النسخ عندهم إزالة بعض الأوصاف من الآية بآية أخرى ، إما بانتهاء مدة العمل ، أو بصرف الكلام عن المعنى المتبادر إلى غير المتبادر ، أو بيان كون قيد من القيود اتفاقيا ، أو تخصيص عام ، أو بيان الفارق بين المنصوص وما قيس عليه ظاهرا ، أو إزالة عادة الجاهلية ، أو الشريعة السابقة . فاتسع باب النسخ عندهم ، وكثر جولان العقل هنالك ، واتسعت دائرة الاختلاف . ولهذا بلغ عدد الآيات المنسوخة خمسمائة . وإن تأملت ، متعمقا ، فهي غير محصورة . والمنسوخ باصطلاح المتأخرين عدد قليل . لا سيما بحسب ما اخترناه من التوجيه » انتهى . وقال الإمام الشاطبيّ في الموافقات : « الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم ، في الإطلاق ، أعم منه في كلام الأصوليين . فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخا ، وعلى تخصيص العموم ، بدليل متصل أو منفصل ، نسخا ، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخا ، كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي ، بدليل شرعي متأخر ، نسخا . لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد . وهو أن النسخ في الاصطلاح المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد في التكليف ، وإنما المراد ما جيء به آخرا ، فالأول غير معمول به ، والثاني هو المعمول به . وهذا المعنى جاء في تقييد المطلق . فإن المطلق متروك الظاهر مع مقيده ،